بائعة الكبريت
قصص قصيرة
رواية نجمو القمر المشهد الاول من الفصل الثاني
رواية نجمة والقمر - محمد عارف مشّه
الفصل الثاني
المشهد الأول
 
 حاسة السمع هي الحاسة التي تطغى على كل لفتة . كل همسة. كل شائعة. كل خطوة في المخيم الذي تصهل الشمس في حنايا قلبه فتشعله احتراقا ولهيبا اشتياقا لتناقل شائعة فتنتشر في المخيم بواسطة الفرخة السوداء. فالفرخة السوداء كما يحلو للبعض تسميتها تشبيها لفرخة ام عدنان التي ماتت دهسا من عربة البغل التي كان يقودها ابو سعيد الخالدي حين كان يقود عربته ظهرا ينقل فيها  المؤن والطحين لمن تصدقت عليهم وكالة الغوث الدولية ببعض اوزان الطحين والزيت والسكر الذي يختلط معظم الاحيان بملح وكالة الغوث الدولية لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين . هكذا كان يصر مدير المخيم على تسميتها وهو يشير الى العلم باللون الازرق واليافطة الزرقاء . حتى الباب كان مدهونا باللون الازرق كذلك كان عمال وموظفو وكالة الغوث يرتدون الملابس ذات اللون الازرق . وحين كان يسأل احدهم ابا خليل عن سبب وجود اللون الازرق لكافة مرافق وكالة الغوث . كان يجيب ابو خليل مقلدا اللهجة المصرية في المسلسلات الاذاعية : حتى يبئى يومنا وحياتنا متنيلة بالازرء ....... يتبعها بضحكة ثم تنهيدة حزن.
عندما ماتت فرخة ام عدنان السوداء كانت المرأة السوداء تنظر لوقوع الجريمة التي اقترفها ابو سعيد الخالدي بعربة البغل فصاحت المرأة محذرة ومولولة كزعيق ابن عرس فضحك المارة واطلقوا عليها اسم الفرخة السوداء . ومنذ ذلك الحين ظل اسم الفرخة السوداء مرافقا للمرأة فنسي الناس اسمها الحقيقي وتذكروا دوما الفرخة السوداء . حتى ان البعض كان يمعن في اثارة حنق الفرخة السوداء حين كانت تمر بالقرب من فتية او شباب في مقتبل العمر يتظاهرون بانهم يقرأون الفاتحة باسطي ايدهم ماسحين وجوهم بأيديهم بعد انتهاء تلاوة الفاتحة فيزيد حنق لعنات الفرخة وسبها لكل المنابت والاصول لهولاء الفتية. واحيانا يشتد غضبها فتخلع حذاءا قديما يروي البعض انه اخر ماتبقى لها من بلدتها قبل هجرة عام 1948 . لكن ابو خليل يعرف قصة حذائها القديم ولكنه يحتفظ لنفسه بالسر من مبدأ الصمت اولى من الكلام .
مازالت الفرخة السوداء تجلس القرفصاء ام بسطة تضع عليها ثلاثة امشاط مختلفة الحجم واللون . ثلاث علب من مشابك الشعر . علبتان من اللبان . بعض النثريات ذات الالوان القاتمة بغير لون او علم لماذا او كيف تستعمل .
مرّ ابو خليل من جوارها مسرعا يتقافز في مشيته كجرادة عجوز فقدت زوجها . دون ان يلتفت إلى الفرخة السوداء . او يلقي التحية عليها . برمت الفرخة وجهها نحو الاتجاه الاخر وزمت شفتيها ثم اخرجت صوتا يشبه زعيق فأر قطع ذيلة . دلالة حنقها وغيظها على ابي خليل الذي لم يأبه بها .
كل من في السوق استغرب من ابي خليل الذي لم يلق التحية على احد من المارة او من اصحاب الدكاكين الذين يهشون الذباب عن وجوهم ولا احد يشتري منهم . فكل سكان المخيم استلمو الطحين والارز والسكر والزيت . وحده ناجح الخضرجي الذي كان يبيع احينا اثنين او ثلاثة كيلوات من البندورة او البطاطا فقط .
واصل ابو خليل ركضه اللاهث نحو الشارع الرئيس يحاول اللحاق بقدوم الباص الوحيد الذي يمر من المخيم كل ساعتين مرة واحدة . وقف ابو خليل بعيدا عن مقهى العودة في باب المخيم كي لا يراه احد ويؤخره عن اللحاق بالباص وقت وصوله .
الشمس تقندح في عز الظهيرة. يميز المخيم رائحة التراب . ربما لتذكرهم رائحة التراب هنا برائحة تراب الوطن السليب هناك . دائما كان ابو خليل يسميه الوطن السليب وكان يردد عبارات التحذيرة بعبارة موجزة لسكان المخيم ايام الجمع عندما كان يلقي الخطب قبل صلاة الجمعة . دائما كان يختم خطبته للصلاة بقوله من النيل غلى الفرات . وعندما كان المصلون يسأونه في البداية عن تفسير هذه العبارة كان يقول في خطبه . ان لم نتحد سيستولي اليهود على الوطن العربي من نهر النيل الى نهر الفرات بدولتهم المزعومة . لكنه ابدا لم يقتنع ابو خليل بأحمد سعيد المذيع المصري الذي كان يهدر صوته ب( تجوّع ياسمك ) - سنلقي باليهود في البحر و..... و........... الى اخر الاسطوانة المشروخة.
في البدايات كان يتحمس ابو خليل لخطب الرئيس جمال عبد الناصر وكان على استعداد ان يظل صامتا بحذر من اكتشاف امر سماعه لخطبة عبد الناصر والوشاية به الى السلطة وبين طول انتظار ما سيقوله عبد الناصر ولكن عندما سمع ابو خليل ان عبد الناصر يحاول منع قيام عمليات الفدائيين من اراضيه الى  اراضي عام 1948 تغير موقف ابي خليل نحو خطابات عبد الناصر رغم محاولات المعلم خالد والذي كان معروفا عنه انه ناصري حتى النخاع ومحاولته تفسير موقف عبد الناصر الا ان البعثيين حاولو التزام الصمت حتى تم اكتشاف واعدام الجاسوس اليهودي كوهين في سوريا
 
نكمل في الحلقة القادمة بإذن الله


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية